معاً ، نحو الامتياز
  • English
  • العربية

الظروف الاقتصادية الخارجية التي رافقت استقلال لبنان

لم تكن هناك في التاريخ أية علاقة بين وجود لبنان – الوطن وبين تفكك الدولة التي أقامتها دائماً وبصيغ ملتبسة القوى الداخلية المتسلطة عليه، والتي كانت وعلى الدوام أسيرة التبدُّلات الدولية والإقليمية؛ وهذا تماماً ما تكرر سنة 1943 حين رافق ولادة الاستقلال مؤثرات عدة، أهمها:

التبعية الاقتصادية والسياسية الكاملة للغرب

كان لبنان، كما بقية الولايات العربية التي انتقلت إدارتها السياسية بعد انهيار السلطنة العثمانية إلى دولتي الانتداب فرنسا وبريطانيا، يشكو من تبعية اقتصادية كاملة للغرب بدأت منذ القرن السادس عشر عند بداية تطبيق نظرية التخصص الدولي للإنتاج، انطلاقاً من الأكلاف النسبية للإنتاج التي آلت إلى تقسيم العمل على النطاق الدولي.

لقد شهدت أواسط القرن السادس عشر، نجاح الأوروبيين في استغلال الصعوبات التي ظهرت بين الحين والآخر في الدولة العثمانية لبعض الطوائف والفئات غير الإسلامية بسبب بعض القوانين والاجراءات العثمانية القاسية. كان هذا مدخلاً أساسياً، استطاع الاوروبيون من خلاله تحويل نظام الملل العثماني الذي كان يلبّي حاجات طائفية قديمة، إلى نظام امتيازات. ومن خلال استغلالها لبعض «النواحي الطائفية» مع بعض الجماعات المحلية، نجحت الدول الاوروبية بدايةً في أن يكون لها موطئ قدم في الدولة العثمانية واستطاعت اختراق الطوائف المشرقية واستغلال مشاكلها؛ فرنسا الكاثوليكية وجدت في الوضع الماروني والكاثوليكي مدخلاً للحديث عن المساواة، وروسيا كذلك بالنسبة إلى الأورثوذكس، بينما وجد الدروز في البريطانيين الذين كانوا يحاولون أن يجدوا قاعدة لهم في هذه المنطقة، سنداً لهم في المرحلة الصعبة التي واجهتهم. هكذا تلاقت مصالح بعض اللبنانيين آنذاك مع مصالح البريطانيين والفرنسيين وبعض الأوروبيين، وبات مصير الجبل اللبناني يقرره قناصل بعض الدول الأوروبية التي بدأت بالتدخل في الأزمات اللبنانية، وكل واحدة تدّعي تمثيل فئة طائفية معينة وتطالب بحمايتها.

 إضافة إلى هذه الخروقات المهمة، نجحت الضغوط الأوروبية الكبيرة عند «الباب العالي»، في تمرير نظام الامتيازات التجارية المجحف على الولايات العثمانية كافة ومنها الولايات العربية. لقد ساهم هذا النظام والتفسيرات التعسفية التي تلت، في توجيه القطاعات الاقتصادية للبلدان التي دخلها بما يتلاءم وحاجات الاقتصاد الأوروبي وبخاصة اقتصادات بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية وألمانيا.

كان الهدف الأساسي من هذه الامتيازات، إضافةً إلى تأثيرها السياسي، الضغط على اقتصادات الولايات العثمانية وتعطيل النشاطات الاقتصادية القائمة وربطها بالاقتصادات الأوروبية. لقد فرض الأوروبيون على العثمانيين شروطاً اقتصادية صعبة بدأت لمصلحة بعض المدن التجارية الإيطالية التي ساعدتهم في إعادة السيطرة على مصر. ثمّ تتالت هذه الامتيازات، لمصلحة فرنسا عام 1528 وانكلترا عام 1580 وهولندا عام 1613 وروسيا والنمسا عام 1717 وبروسيا عام 1740 وأخيراً لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية عام 1818. وبموجب هذه الامتيازات، فُتحت أبواب الولايات العربية التي كانت تحت السلطة العثمانية بدون أية ضوابط أمام التدخلات السياسية والاقتصادية الاستعمارية التي عاثت فيها فساداً غير مسبوق. ثم تعاظم الضغط على «الباب العالي» وخاصة من بريطانيا التي نجحت في فرض معاهدة «يالطا- ليمان» عام 1838، التي فتحت الباب واسعاً أمام التجارة الأوروبية لقاء رسم وقدره 3 في المئة، في الوقت الذي فُرض فيه رسم على الصناعات المحلية وخاصة المصرية تجاوز العشرة في المئة. ومنذ ذلك التاريخ، لم تجرِ أية محاولات جدّية لإنشاء صناعات حديثة أو لتطوير الصناعات القائمة التي واجهت، ابتداء من الربع الأول من القرن التاسع عشر، أزمة حادة أدّت في النصف الثاني من القرن نفسه، إلى انهيارها التام. هكذا اكتسحت المنتوجات الصناعية الأوروبية الأمبراطورية العثمانية والولايات التابعة لها من دون أية مقاومة أو عراقيل تذكر.

لقد تزامن ذلك مع سيطرة الرأسمال الأوروبي على عقود الامتياز الطويلة الأجل في السلطنة العثمانية، التي شملت في بعض الأحيان نسبة كبيرة من مساحة الولايات بما لا يقلّ عن 70 في المئة. وابتداء من العام 1901 تمّت السيطرة على كل ما يتعلق بالصناعة التنقيبية والاستخراجية فأدى ذلك إلى إحكام الغرب سيطرته على إنتاج مادة النفط في ما بعد.

إنّ ما هو أخطر من عملية النهب المنظمة للثروات العربية التي تلت التبعية الاقتصادية العمياء للغرب، الطريقة التي اتبعت في عملية النهب ذاتها التي استمرت أكثر من ثلاثة قرون. لقد تركت هذه السياسات النهبوية آثاراً مدمّرة جاءت على شكل تفكيك المجتمعات العربية قبل الرأسمالية التي كانت قائمة على أساس الاكتفاء الذاتي المحلي(وهذا ينطبق تماماً على المجتمع اللبناني في تلك الفترة)، والتي كان من الممكن أن تتطوّر لو توافرت لها الظروف المناسبة.

مبادئ ويلسون وحق تقرير المصير

مع نهاية الحرب العالمية الاولى، تعاظم طموح الحصول على دولة ذاتية لدى مختلف القوميات في العالم التي تأثرت بمبادىء الرئيس الأميركي وودرو ويلسون. لقد شعرت كل جماعة بشرية بأنّ لها الحق في أن يكون لها دولة تجمع مواطنيها برباط العرق أو الدين أو المذهب من دون أن تكون لها الأسس أو المقوّمات الاقتصادية التي تجعلها قابلة للحياة والاستمرار. اعتمدت هذه الاحلام المشروعة ثقافياً، على مبدأ حق تقرير المصير كأداة دعم سياسية وقانونية تؤدي إلى الاستقلال باعتراف دولي شرعي. ومع أنّ هذا الاستقلال وفّر بعض الكرامة لشعوبٍ عانت طويلاً من الهيمنة والاستعمار والاستبداد، إلاّ أنه، وبسبب التبعية الاقتصادية الكاملة التي أنتجت انهياراً اقتصادياً أدّى إلى تفكّكات اجتماعية قاسية، وكما حصل في لبنان، لم يُنشئ دولاً قابلة للحياة.

في لبنان، بقيت الدولة غائبة والنظام يترنح على وقع الأعاصير الخارجية التي أنتجت قوى داخلية مستغِلة وفئوية لم تستطع التحول إلى بورجوازيات وطنية منتجة، فوجد الشعب نفسه في وضع اقتصادي واجتماعي أسوأ مما كانت عليه سابقاً.

 

المصالح الدولية المتقاطعة

إنّ دولتي الانتداب، فرنسا وبريطانيا، كانتا على يقين أنّ الدول المستقلة حديثاً في منطقتنا، والتي لا تملك طبقة وسطى ولا سوق قومية، لن تستطيع تفعيل اقتصاد منتج ومستدام، وبالتالي ستبقى دولاً غير قابلة للحياة. لذلك دفعتا في اتجاه إنشاء طبقات سياسية حاكمة، تحتاج إلى المساعدات لتستمر، وتستعمل كورقة للمقايضة أو للمساومة تبعاً لمصالحهما في الحرب الباردة التي استمرت حتى أواخر الثمانينيات.

جميع هذه الدول التي نشأت في تلك الفترة وفي خضم هذه الفورة الأخلاقية، كانت في الحقيقة نتيجة الثورات والحروب أو المؤامرات الداخلية المرتبطة خارجياً بأحلاف وكتل دولية صاعدة ومنتصرة في الحرب العالمية الثانية وتبحث عن امتيازات دولية تعكس انتصاراتها. وهذا ما كان حاصلاً عند نيل لبنان الوطن استقلاله، حيث أعاد البريطانيون والفرنسيون ومن ثم الأميركيون صياغة تحالفاتهم الدولية في المنطقة على أُسسٍ تتناسب مع إعادة تموضع مصالحهم في ظل:

• بداية الاستكشافات النفطية في المنطقة وتعاظم دورها في الاقتصاد العالمي.

• إنشاء دولة إسرائيل ودورها الإقليمي المتناغم مع الدور الاستعماري القديم.

-   الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، الرئيس الثامن والعشرون للولايات المتحدة الأميركية في الفترة من 4 آذار/مارس 1913 إلى 4 آذار/مارس 1921. قدم عند نهاية الحرب العالمية الأولى1914-1918، مشروعاً يتكون من 14 نقطة حول صون السلم والأمن الدوليين حظي باهتمام دولي واسع جعله يبرز كبطل عالمي. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء منظمة دولية تعنى بهذه القضايا حيث بدأت تتبلور فكرة إقامة «عصبة الأمم المتحدة» ، وهذا ما حدث فعلاً في العامين التاليين.