Together, towards the excellence
  • English
  • العربية

مقارنة مع كتاب هنري كيسنجر الاخير

مقارنة

بين ما كتبه هنري كيسنجر عام 2014 في كتابه" النظام العالمي"، وبين ما كتبته في كتابي مثلث الخطر الصادر عام 2009!

 

منذ سبعينيات القرن العشرين، ونجم هنري كيسنجر ما زال ساطعاً.

فهو ليس فقط أحد أبرز السياسيين الأميركيين، بل هو أحد أبرز المخططين الاستراتيجيين في العالم. ترك بصماته المتميزة في السياسة الخارجية الأميركية أولاً، ثم تحول إلى مرجعٍ في السياسة الدولية حين شارك في عزل الاتحاد السوفياتي عن الصين تمهيداً لإسقاطه.

منذ العام 1985 وبعد تيقنه من قرب سقوط الاتحاد السوفياتي، بدأ مع الكثير من الخبراء العالميين بالتخطيط لبناء عالم جديد قادرة على ادارة موارده وفق مفاهيم جديدة تحافظ على التقدم التكنولوجي من جهة، وتعيد ادماج المتخلفين وفق أسس جديدة بعد أن فشلت كل محاولات القرن العشرين في فعل ذلك.

بالنسبة لنا نحن العرب، يبقى كيسنجر هو الصهيوني الذي لم يحترم يوماً العربي إلا بمقدار خدمته للكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين. ولكن ذلك لا يجب أن يؤثر على قراءتنا الهادئة لفكر رجل عاصر أهم مرحلة في تاريخنا المعاصر وشارك عن كثب في كتابة ما بات يعرف بنشر الفوضى العالمية التي خطط لها لتمهد قيام نظام عالمي جديد.

أردت التعريف بهنري كيسنجر بهذه الطريقة، لأقول أن ما يقوله او ينشره في كتبه، صحيح الى حد ما للأسف، وخاصة فيما يتعلق بسقوط النظام الدولي مع نهاية الحرب الباردة. ولكنني أرجو قبول مقارنتي التي قمت بها بين ما ورد في كتابه الجديد "النظام العالمي  World Order" الذي صدر عام 2014 وبين كتابي ما قبل الاخير الصادر عام 2009 بعنوان "لبنان والدول العربية من دويلات متعايشة الى كيانات متصارعة". ليس الهدف أبداً الاضاءة على قدرات شخصية بل لأؤكد أن ما توصل اليه هنري كيسنجر عبر مشاركته الواسعة في المنتديات الدولية منذ العام 1990، توصلنا الى ما هو أكثر دقة منه عبر مشاركاتنا الواسعة أيضاً في هذه المنتديات منذ العام نفسه. وإن كان هدف هنري كيسنجر اليوم هو التباهي، فإن هدفي كان وما زال هو توعية العرب لمستقبلهم الذذي يبدو قاتماً إن لم نقل سوداوياً.

ماذا قال هنري كيسنجر في هذا الكتاب الجديد حول النظام العالمي؟

في مقدمة كتابه الأخير بعنوان "النظام العالميWorld Order" يؤكد كيسنجر أن العالم يعيش فترة انتقالية تسودها الفوضى التي ستمهد لبلورة نظام جديد على أنقاض النظام القديم، المعروف بنظام الدولة القومية. وأن هذا المصطلح الشائع، استخدم لنظام بدأ في أوروبا الغربية قبل أكثر من 350 سنة في مؤتمر للسلام عقد في مقاطعة ويستفاليا Westphalia الألمانية عام 1648، وذلك بعد قرن من صراعات طائفية وعدم استقرار سياسي عصف بوسط أوروبا. آنذاك لم يشارك في ذلك المؤتمر، بل لم تعرف عنه أغلب القارات والحضارات خارج القارة الأوروبية. والنظام الذي انبثق من ذلك عرف لاحقاً بـ«النظام الويستفالي، أو Westphalian System»، وهو الذي يستند في أساسه إلى استقلال وسيادة الدولة الوطنية، وبالتالي حرمة الحدود الجغرافية لهذه الدولة، ثم مبدأ توازن القوة كآلية لحماية هذا الواقع السياسي الجديد. بعد ذلك أخذ هذا النظام بالتوسع تدريجياً، وأخذ ينتشر حتى قيام الأمم المتحدة كسلطة عليا لهذا النظام، ثم رسخت الولايات المتحدة سيطرتها بعد مشروع مارشال الاوروبي، فأنشأت صندوق النقد والبنك الدوليين للتأثير في النظام الاقتصادي العالمي الذي ثبت تحكم الرأسمالية الأميركية به  مع انشاء اتفاقية الغات حتى وصل العالم  إلى ما وصل إليه في وقتنا الحاضر. هذا مختصر مما قاله هنري كيسنجر في كتابه الجديد حول النظام العالمي، أما ما كتبته في كتابي المذكور سابقاً فجاء حرفياً على الشكل التالي:

 

  • العد التنازلي لنشوء كيانات دولية جديدة

....... وهذا يتطلب تصفية جميع الاشكال المصطنعة برأيهم للكيانات السياسية الحاضنة لمسببات هذاه الصراعات. بمعنى انه يجب اعادة تشكيل هذه الكيانات في وحدات كيانية جديدة قادرة على التعامل مباشرة وبفاعلية مع النظام الدولي الجديد، على قاعدة المنافسة الاقتصادية فقط. أي يجب أن تكون هذه الكيانات قدر الإمكان صافية العرق والدين وربما المذهب ومنفتحة الى أقصى الحدود مع المنافسة العالمية ضمن نطاق سوق عالمي متحرر من القيود.

 وقد تأسست هذه النظرية على حقائق عدة:

  1. الدولة الأمة كما نعرفها اليوم هي نتاج أربعمئة عام من التطور في الفكر السياسي الغربي. بدأت مع توماس هوبس الذي بيَّن الحاجة الى سلطة مركزية عليا تحرر الانسان من طبيعته الوحشية المتفلتة. ثم تطورت مع ميكافيللي الذي برر الوجود القوي لسلطة عليا في عصر النهضة الأوروبية. هكذا بدأ الملوك في أوروبا بسط سلطتهم على لوردات الإقطاعيات والأقاليم والدوقيات والمدن الحرة. فرضوا نظام تجنيد وجباية وصكوا النقود وأنشأوا نواة البيروقراطية داخل الدولة. ومن الشعارات الى الأعلام ثم الى الديانات والحروب المتلاحقة، تعززت هوية قومية للشعوب المتناحرة تحت لواء الملوك الذين حصنوا حدودهم التي تحولت شيئاً فشيئاً الى دول سرعان ما تكرست سنة 1648 مع معاهدة "وستفاليا" التي صاغت بشكل أو بآخر المواصفات الكلاسيكية للدولة  الأمة المعاصرة التي ما زالت تتشابه بخصائصها الى حد بعيد مع خصائص الملكيات الأوروبية في القرن السادس عشر. منذ ذلك الحين فقط، أصبحت هذه الكيانات الجديدة صاحبة سيادة ومتساوية وتمثلت فيما بعد ببيروقراطيات لويس الرابع عشر ملك فرنسا وفريديريك الأعظم ملك بروسيا وقواهما العسكرية المذهلة.

وابتداء من عام 1776، ومع نيل الولايات المتحدة الاميركية استقلالها، بدأ احتكار السلطة من قبل الاقطاعيات الملوكية تتداعى ووُضعت أسس أكثر تطوراً لهوية الدولة الجديدة وفقاً لأحكام جمهورية قائمة على احترام حقوق الفرد المدنية والسياسية. والمقصود هنا الفرد الأبيض المالك للأرض وعبيدها. أما الثورة الفرنسية فقد أخذت نفس المفهوم وطورته باتجاه تسليم السلطة السيادية الى الأمة وليس الى الفرد غير المخول ممارسة اي نوع من السلطة التي يجب ان تنبثق من الأمة. وهنا أيضاً لم تكن الأمة سوى الطبقة الاجتماعية الثالثة بحسب "سياي"، أو الارادة العامة للأكثرية بحسب جان جاك روسّو.

إذاً، مما لاشك فيه أن الثورة الصناعية في أوروبا والثورة في الولايات المتحدة، هما اللتان وضعتا اللمسات الأخيرة على الدولة الحديثة كما نعرفها الآن. وتطور الرأسمالية الصناعية هو الذي حدد نموذج الدولة الحديثة صاحبة السيادة والتي تجمع مواطنيها حول عناصر عدة أهمها الرفاهية والمصلحة المادية لشعبها. واكتملت هذه النظرية الجديدة مع الوعود التي توقعت تحقيق الرفاهة الشخصية والسعادة عبر الناتج القومي الاجمالي للدولة المفترض توزيعه بعدالة على مختلف الطبقات الاجتماعية المكونة لعناصر الأمة- الدولة. إلا انه ومع نهاية الحرب العالمية الاولى تعاظم حلم الحصول على دولة ذاتية لدى مختلف القوميات التي تأثرت بمبادئ ويلسون. ومع معاهدة فرساي شعرت كل جماعة بشرية بأن لها الحق لأن يكون لها دولة تربط مواطنيها برباط العرق أو الدين أو المذهب دون أن يكون لها الاسس الاقتصادية والتكنولوجية التي تجعلها قابلة للحياة والاستمرار. اعتمدت هذه الاحلام المشروعة ثقافياً، على مبدأ حق تقرير المصير كأداة دعم سياسية وقانونية يؤدي الى الاستقلال باعتراف دولي شرعي. ومع أن هذا الاستقلال وفر الكرامة لشعوب عانت طويلاً من الهيمنة والاستعمار والاستبداد، إلا انه لم يُنشئ دولاً قابلة للحياة حيث وجدت شعوب هذه الدول نفسها في وضع اقتصادي واجتماعي أسوأ مما كانت عليه سابقاً. والحقيقة ان معظم المستعمرين السابقين كانوا على يقين بأن هذه الدول التي لا طبقة وسطى ولا سوق قومية لها، لن تستطيع تفعيل اقتصاد منتج ومستدام، وبالتالي ستبقى دولاً غير قابلة للحياة. إلا ان سياسة المستعمرين دفعت باتجاه إنشاء طبقات سياسية حاكمة، تحتاج الى المساعدات لتستمر، لتستعمل كورقة للمقايضة أو للمساومة في الحرب الباردة التي استمرت حتى أواخر الثمانينيات. ومع انتهاء الحرب الباردة فقدت معظم هذه الدول أهميتها الاستراتيجية وتركت بدون أية مساعدة أو معاملة خاصة، تفترسها سياسات جديدة فرضتها التطورات المتلاحقة في النظام الدولي الجديد الذي أصبح أكثر ميلاً نحو مفاهيم جديدة ستعيد النظر في أهلية هذه الدول للحياة في شكلها الحالي على الأقل الذي اعتمد على الشعارات الأيديولوجية في البناء أكثر من الأسباب المتعلقة بالجدوى الاقتصادية والتطور الاجتماعي.

  1.  لقد بلغ التجسيد الايديولوجي لحق تقرير المصير ذروة الوهم عبر الاعتقاد الذي كان سائداً باستحالة تحقيق أي نمو دون تحقيق الاستقلال، ولا مشكلة فيما بعد إذا كان البلد فقيراً أن تتولى المساعدات الدولية معالجة الثغرات الاقتصادية. إلا ان أصحاب هذا الوهم لم يساورهم الشك حول هذه المساعدات، وكان كل همهم كيف تستفيد المجموعات السلطوية من هذه المساعدات وليس كيف تبني أوطاناً قادرة على الحياة بهذه المساعدات. وهكذا كانت السياسات الدولية للمساعدات المخصصة للدول النامية تساهم في ديمومة السلطة وليس ديمومة الدولة. وبالعودة الى الأسس التي اعتمدتها المؤسسات الدولية المعنية شؤون التنمية، وأهمها مؤسسات الأمم المتحدة الإنمائية والغذائية، نراها لم تستطع خلال أكثر من خمسين سنة، ومع بلايين الدولارات من المساعدات، من تطوير اقتصاد أية دولة من دول العالم النامي، بل على العكس ساهمت في تفاقم عجز هذه الدول مالياً وتكنولوجياً وبقيت عاجزة عن النمو وتزداد تخلفاً. وهذا واقع نعيشه اليوم وياللأسف. فالتطور الاقتصادي والاجتماعي لم يعد سوى خرافة بعيدة المنال روِّج لها من قبل الطبقات السياسية والاختصاصيين التقنيين الدوليين داخل بلداننا الفقيرة والمتخلفة. والأدهى أننا ما زلنا نعيش حالة الوهم ذاتها منذ عشرات السنين وما زلنا نكابر رافضين النظر بواقعية الى حال سلطاتنا ودولنا المتدهورة. ما زلنا خارج مشاريع المنافسة العالمية وبعيدين سنوات ضوئية عدة عن التطور التكنولوجي، ولم نستطع إنتاج الحد الأدنى من غذائنا، وبالتالي لا تستطيع سلطاتنا ممارسة الحد الأدنى من الاحترام لنفسها ولشعوبها. هذه السلطات التي جرى الاعتراف الدولي بها كدول ذات سيادة تبين للجميع أنها بحاجة للمساعدات الدولية لكي تحيا وتعيش وتستمر.
  2. النظام الدولي الذي أنعش هذه السلطات- الدول في فترات سابقة، تبدلت نُظمه ومفاهيمه. وأصبح ينظر الى الدول النامية كدول غير مكتملة أو غير قادرة على الاكتمال أو أنها فشلت خلال القرن العشرين في الاكتمال. بل أكثر من ذلك، فان هذه الدول في ظل العولمة الاقتصادية لن تصبح أبداً مكتملة وسوف تزداد تخلفاً. وعليها ان تجابه حقائق مرة، منها الانفجار السكاني وافتقارها للسوق القومية وانتاجها الهزيل من المواد الغذائية وأسعار موادها الاولية المنخفضة، وانحسار طبقتها الاجتماعية الوسطى وفقدان أي أثر للاقتصاد الحقيقي المنتج القادر على التناغم بفاعلية مع النظام الدولي الجديد. ومع وضع اليد على اقتصاداتها من قبل صندوق النقد والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، ستختفي مشاريعها الرأسمالية الوطنية أو تطرح جانباً بعد تصنيفها بالمنتجات الاقتصادية غير الملائمة.
  3. ان الظروف السياسية والاجتماعية في عالم اليوم تجعل من الصعب تقبل وجود بلايين من البشر عاطلين عن العمل، أو مستخدمين بأجور زهيدة ويعيشون بالتالي خارج إطار المجتمع الاستهلاكي العالمي. هذه الجماعات من الناس التي ترعرعت في دول غير مكتملة، لديها روابط وجذور ريفية ولا تتمتع بوعي حقيقي للمواطنية  نراها تسعى دائماً لتثبيت هوية ما بعيدة عن الناحية الطبقية الاجتماعية لخلو مجتمعها من المعنى الحقيقي للمجتمع المنتج. هي تسعى الى روابط عُرفية أو عرقية، دينية ذات أبعاد سلفية، ايديولوجية بخلفيات راديكالية. ويا للأسف، وبسبب طبيعة هذه التفاعلات، نرى هذه الجماعات تتصادم فيما بينها وتنقسم الى مجموعات أصغر تضطر بسبب طبيعة الصراع الى طلب العون الخارجي من جماعات أخرى منغمسة بنفس الآفة في مجتمعاتها. وفي معظم الحالات يكبر حجم التدخلات لتصل الى قوى إقليمية ودولية لديها مشاريع ومصالح خاصة تتغذى من الصراعات المحلية لتقوية نفوذها. هذا التفكك المذهبي والعرقي والاجتماعي، يفاقم أزمة الدول غير المكتملة، ويقدمها مرشدو العولمة على انها سبب إضافي لفشل هذه الكيانات السياسية بهيكليتها الحالية التي تحتوي بداخلها على بذور الصراع الذي يؤدي الى مزيد من التخلف والفقر.
  4. هذا الوضع المأساوي غير القابل للشفاء لأشباه الدول، أو الدول غير المكتملة، يطرح حقيقة مستجدة أمام نظرية العلاقات الدولية في النظام الدولي الجديد. كان على المنظرين الجدد لهذا النظام أن يتساءلوا عن إمكانية جعل أشباه الدول قابلة للحياة اقتصادياً في ظل تكاثر سكاني متفجر، وصادرات لمنتجات معالجة بطريقة بدائية تباع بأسعار زهيدة إذا وجد عليها الطلب. كيف بالإمكان التعامل مع مجموعات بشرية هائلة لم تعد تثق بكيانات دولها وحكوماتها؟ كيف بالإمكان تحديث اقتصادها في الوقت الذي يعيش أكثر من ستين بالمئة منهم تحت خط الفقر؟ وهل من يعيش بدولار واحد في اليوم قابل للدمج مع النماذج الاستهلاكية العالمية في سوق عالمية مفتوحة دون التسبب بأذى؟ كيف بالإمكان سد الفجوة الحضارية الهائلة بين أقلية غنية الى حد التخمة وأكثرية فقيرة الى حد الموت من الجوع والمرض؟ فخرافة سد هذه الفجوة التي صرفت عليها الأمم المتحدة والدول الغنية بلايين الدولارات على مشاريع كاذبة لم تؤد سوى الى نوع من سياسة تمييز عنصري اقتصادي اجتماعي: كوكب  نصفه الشمالي يحتوي على عدد من الدول الغنية يحيط بها في النصف الجنوبي غالبية الجنس البشري داخل أكثر من مئة وخمسين بلداً مدقعاً في الفقر والتخلف. إن هذا يثبت من وجهة نظر النظام الدولي الجديد استحالة البدء في النمو الحقيقي لهذه الأمم المتخلفة في ظل الهيكلية السياسية والجيو سياسية لنظمها السيادية. هذه النظم التي فشلت في توفير اقتصاديات السوق ذات البعد الوطني وفشلت في الحفاظ على الحد الأدنى من نشاطاتها الاقتصادية الرسمية التي أصبحت تحت سيطرة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبالتالي معرضة للبيع. ويلاحظ في هذه الدول تعاظم قوة الجماعات المتمولة أوالمتمردة أو المحتكرة أو الاقطاعية أو الطائفية والمذهبية والعصابات وتأثيرها المباشر على الحياة السياسية والاجتماعية الى درجة أصبح ولاء المجتمعات المحلية لها وليس الى الكيان السياسي الهش الذي أصبح مصدر المشاكل للمجتمع الدولي الغني والمهيمن. أصبحت هذه الدول تظهر في الصحافة العالمية كدول ارهابية تمارس الاعمال البربرية وتنتهك الحقوق الإنسانية، حيث المواجهات المسلحة وما يسمى الإرهاب يأخذ حيِّزاً مهماً من طاقات السلطات السياسية المحلية التي تتحول مع الوقت الى عبء على حلفائها الدوليين الذين تحولوا الى جباة ماليين لطلب المساعدات وبرمجة جدولة الديون الأجنبية المتضاعفة يوماً بعد يوم دون أي أفق للعلاج.
  5. معظم هذه الدول تمارس اليوم نوعاً من السيادة السلبية. فهي لاتملك القوة أو القدرة لتحقيق الرفاهية والأمان لغالبية شعبها، الامان بمعناه السياسي والاجتماعي والأمني. فتحولت من حارس للسيادة الى متوسل لها، داخلياً وخارجياَ. فلا المجموعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الداخلية تحترم هيبة الدولة غير الموجودة عملياً، ولا الجهات الخارجية تحترم وجود الدولة ذات الكيان والسيادة. فالمجموعات الداخلية تتصارع فيما بينها طالبةً المساعدة من الخارج على الأطراف الأخرى، والخارج يغذي ويستفيد من الانقسامات السياسية والدينية والطبقية ليتسلل الى داخل الدولة متدخلاً وفاعلاً في شؤونها الداخلية. لم يبق أمام السلطة (الدولة) غير التوسل لعدم تدخل جيرانها، والشحادة من أشقائها طلباً للمساعدة، ومن الرجاء من أصدقائها لحراسة وتنسيق التداخلات والتدخلات بما يحافظ على الحد الأدنى من ما تبقى من السيادة.
  6.  جميع هذه الدول نشأت عبر الثورات والحروب أوالمؤامرات الداخلية المرتبطة خارجياً مع أحلاف وكتل دولية متصارعة. لهذا السبب يعتمد أمنها على العامل العسكري المرتبط خارجياً أو على التفاهمات الاقليمية والدولية الهشة التي تنعكس سلباً على الداخل مع تواتر الأحداث والمشاكل سواء كانت داخلية أو خارجية. من هنا جعلت الحروب من الدولة- السلطة العنصر الفاعل في العلاقات الدولية. فهذا الكيان المصطنع قادر على تغيير وضع دولي ما من حالة السلم الى حالة الحرب مع ما يستتبع ذلك من نتائج كارثية على مواطنيه وأوضاعهم الاجتماعية. وقد ساهم توازن الرعب النووي، والدعم الاقتصادي والمالي الذي يتطلبه الإصطفاف الدولي وراء هذه القوة أو تلك، في المحافظة على استمرارية هذه الكيانات. إلا ان هذه الفترة شهدت أيضاً استقراراً اقتصادياً سهّل من التمدد العالمي للرأسمالية ودخولها المسرح العالمي فاعلاً خارج الأطر الرسمية، أي خارج إطار الدولة – الكيان. فأصبح العالم ينوء تحت رحمة الشركات الدولية المتعددة الجنسيات وهي مؤسسات رأسمالية عابرة للحدود ومتجاوزة للسيادات الوطنية، التي ارتفع عددها أثناء فترة الحرب الباردة، من 7000 عام 1960 إلى 37000 عام 1989 أي في السنة التي انتهت فيها الحرب الباردة. وقد صاحب كل ذلك، ثورة تكنولوجية وعلمية تفوق بأهميتها الثورة الصناعية وأدى إلى تكامل اقتصادي عالمي لم يشهد التاريخ مثيلاً له. وانتهت بذلك المواجهات الأيديولوجية وسباق التسلح العسكري، وتحولت المواجهات الى منافسات اقتصادية عالمية دون ضوابط أو قيود.

في الماضي القريب وعلى مدى 45 عاماً من الحرب الباردة كان نحو مئة بلدٍ ينتج 97 في المئة من الإنتاج الصناعي العالمي، عشرة منها تنتج 75 في المئة، والثلاثة الأولى تنتج 50 في المئة تتقدمهم الولايات المتحدة ثم ألمانيا. وبعيد الحرب الباردة استأثرت 15 دولة بـ84 في المئة من النمو الصناعي العالمي، عشرة منها بـ75.6 في المئة وثلاث بـ56.7 في المئة منها الولايات المتحدة (20.4%) واليابان (12%). لكن ما لبثت البلدان الآسيوية الناشئة أن استأثرت بـ44 في المئة من النمو الصناعي العالمي والصين وحدها استطاعت تجاوز ال25 % من الانتاج الصناعي العالمي. ابتداء من هنا أصبح من الخطأ التحدث عن إنتاج الدول وحصة كل منها. فداخل كل دولة من تلك الدول مصانع تملكها شركات متعددة الجنسية، أول 25 شركة منها تنتج أكثر من 50% من الانتاج الصناعي العالمي في 2005، وتصدّر إنتاجها إلى بلدانها الأم. هكذا انطلقت الشركات العالمية في تمهيد السبيل لاختراق سيادة جميع الدول. القسم الأكبر من البضائع والخدمات والعمليات المالية ووسائل الترفيه والصحف والمجلات والمواد الأولية والغذاء والطاقة، تتولى إنتاجها وتوزيعها هذه الشركات على الصعيد العالمي دون أي قيود أو مراقبة. وكان من الطبيعي أن تتأثر بهذه التحولات الدول غير المكتملة أولاً بسبب ضخامة قدرات هذه الشركات العملاقة، ولهشاشة الكيانات السياسية لهذه الدول وفقدان مناعتها الاقتصادية . لقد بدأت هذه الدول تفقد سلطاتها السيادية وقدراتها على صنع مصيرها الاقتصادي وبالتالي السياسي. اليوم يأتي التهديد الفعلي لاستقلال هذه الدول وسيادتها، ليس من غزو الجيوش الأجنبية، بل من هذا الأفق العالمي للإقتصاد الذي يسمح للقرارات المتخذة عالمياً أن تحدد سلوكية معدلات الفائدة، العجز المالي، قيمة العملة، سعر المنتجات الأولية والطاقة والنقل، حجم البطالة وإعادة التموضع الاقتصادي بأكمله.

  1. إن أكثر الدول قوة وثراء اليوم تسعى أيضاً إلى تنسيق سياساتها المالية مع دول أخرى للتوصل الى حل مشاكلها كالبطالة وقيمة النقد. هذا ما يحصل في اجتماعات مجموعة الثمانية للبلدان الصناعية الأقوى في العالم. لأكثر من عشرين عاماً ورؤساء دول الولايات المتحدة والمانيا واليابان وفرنسا وبريطانيا وكندا ثم أخيراً روسيا، يجتمعون بانتظام في مسعى لمعالجة الاقتصاد العالمي. لكن كل هذه الاجتماعات بقيت دون جدوى. لقد أربكتها مجموعات التمويل العالمية غير المعروفة الجنسية والهوية. فعولمة رأس المال هي أحدى الظواهر العالمية التي أفسدت بقوة سلطة الدول مسببة لها فقدان السيطرة على نقدها الخاص وسياستها المالية. النظام المالي العالمي أصبح اليوم كالكازينو الضخم. مضاربات تصل الى بلايين الدولارات تحصل يومياً في أسواق تبادل العملات الدولية الرئيسية، وأسواق الأسهم، والمشتقات المالية المبتكرة والمتجددة يوماً بعد يوم، دون أن تتمكن أية دولة مهما عظم شأنها من ممارسة أي تحكم حقيقي بالوضع.

ان تغييراً ما في سعر عملة واحدة بالنسبة الى عملة أخرى أصبح يتسبب في افلاسات أو في ارباح هائلة. جميع هذه الرهانات تسَّير الكترونياً في سرعة الضوء ومن قبل مضاربين في نيويورك وطوكيو وشانغهاي وباريس ولندن وسنغافورة وغيرها. وجميعهم خارج السلطة الحقيقية للدول ومصارفها المركزية. هؤلاء المضاربون الغامضون يدخلون بسرعة البرق الى الأسواق المالية وبأسرع منها يخرجون تاركين دماراً وخراباً يصعب حله. وهذا مستمر منذ سنوات طويلة وتسبب بأزمات دولية عدة ولم نسمع أية حكومة وفي أية دولة قد اعترضت على ما يحدث، أو حتى طلبت على الأقل وضع دراسات منطقية لتلافي خسائرها المنتظرة. لقد أصبحت سلطات هذه الدول تنظر الى تعاظم خسائرها وخسائر مواطنيها واقتصادها، وبعشرات البلايين، حائرة وعاجزة دون أن تتمكن حتى من الاستنكار. والأنكى أنه ممنوع عليها الهروب الى مجالات اقتصادية أخرى.

  1. لأكثر من قرن لم يتم إعادة توزيع القوة في العالم. فبلدان مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة واليابان وفرنسا وإيطاليا وفرنسا، دول قوية  وسبق لها أن كانت بلداناً قوية أيضاً في القرن التاسع عشر. أما بقية البلدان فمعظمها لم تتدبر أمرها في النمو والمشاركة في القوة العالمية واستمرت في القرن العشرين في خسارة قدراتها الحياتية الوطنية في وجه التحديات الهائلة التي يمثلها الاقتصاد العالمي والثورة التكنولوجية.

الانعطاف الجديد التي يجب ملاحظته في أيامنا الحاضرة، هو ان الدول العظمى التي تمكنت من المحافظة على موقعها كقوى مهيمنة خلال المئة عام الأخيرة، أصبحت هي أيضاً اليوم لا تملك القوة الكافية لتنظيم العالم. عند هذا المفصل لا يوجد أي مجموعة من القوى العظمى تملك القدرة على إنشاء نظام عالمي جديد كما حصل سابقاً في فيينا سنة 1815 ويالطا العام 1945. لا أحد يستطيع تنظيم العالم اليوم. الولايات المتحدة هي القوة العسكرية العظمى الوحيدة اليوم لأن لديها القدرة على ارسال قواتها المسلحة الى أي جزء من العالم. لكنها لا تستطيع حسم أي صراع عسكري حتى مع مجموعات عسكرية غير منظمة كما حصل في العراق وأفغانستان. الترسانة النووية فقدت أهميتها الاستراتيجية، فالإضطراب السياسي الاجتماعي الديني القائم في أماكن مختلفة من العالم لا يمكن حله بواسطة الردع النووي. الوضع الاستراتيجي للعالم هو وضع معقد لأنه انبثق من عصر الاستقرار الاستراتيجي الذي أرسيت قواعده في الحرب الباردة على قواعد عسكرية تحت المظلة النووية. ومع انحسار هذه المظلة، ودخول قواعد استراتيجية جديدة، دخل العالم في وضع غير مستقر من الفوضى العالمية الشاملة. هذه الفوضى يستفيد منها أصحاب هذه القواعد الاستراتيجة الجديدة لإعادة تنظيم العالم وفق خططهم ومصالحهم. ان التنافس الاميركي السوفياتي كان عامل ضبط للعنف العرقي والديني والسياسي والاجتماعي الذي أُبقي تحت سقف التوتر المنخفض المقبول. مع انتهاء الحرب الباردة، فالجدار الذي بناه الطرفان الأقوى في العالم تصدَّع وأدى إلى تفسخ وانحلال سياسي وعصيان مسلح وحروب أهلية ونزاعات قومية ودينية ترافقت مع مذابح ولاجئين وفقراء ومعدمين. احتدمت المنافسات والصراعات وخرجت عن نطاق السيطرة واكتسبت ديناميكياتها الخاصة التي تغذيها القوميات القبلية والعصبيات الدينية والتدخلات الخارجية إضافة الى المصالح الاقتصادية. دول البلقان تحولت الى أجزاء والقوقاز الى دويلات وضربت المجاعة وأعمال العنف معظم دويلات افريقيا. وأعمال العنف مصحوبة بحروب أهلية مستمرة في العراق وأفغانستان وسري لانكا وباكستان والهند والتيبت والشيشان وفلسطين ولبنان، ونشطت العصابات في كولومبيا والرعب متفشٍ في البيرو وظهرت عصابات جديدة في المكسيك، وتفشَّى عدم الاستقرار في تايلاندا واقليم الباسك. هذه عينة من عدم الاستقرار في أشباه- الدول التي ستؤدي حتماً الى الانهيار الذي أصبح متلازماً مع أزمات مالية عالمية تضرب الفقير والغني، القوي والضعيف. لم يتخيل أحد من السياسيين والاقتصاديين والخبراء في العلاقات الدولية إن الوضع العالمي سيتحول الى نوع من البربرية الحديثة. هذه البربرية هي الدليل الأبرز على أفول مبدأ التناغم الدولي المبني على التوازن العسكري وبالتالي تراجع قدرات النظام الدولي القديم المؤلف من دول تراجع دورها لمصلحة كيانات أقوى منتشرة حول العالم ومؤثرة بطريقة عجيبة.

  1. كنتيجة لكل هذا، ومع انحطاط الدولة (الكيان) بدأ البحث ومع نهاية الحرب الباردة، عن سبل جديدة للتنمية ولتجاوز الصعوبات تتخطى حدود هذه الهيكليات السياسية. وما كان منشوداً في الماضي لتقوية دور الدولة باعتماد الحماية الاقتصادية والثقافية، أصبح باطلاً والجميع يجد اليوم في طلب الدمج التنافسي للاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي. هذا ما جعل من مدن ومناطق عدة داخل البلدان الغنية تبدأ في تدويل نشاطاتها خارج إطار الدولة الكيان بحيث أصبحت أكثر استقلالية. اليوم، أصبح الاقتصاد العالمي هو الذي يحدد الحدود الانسانية الحقيقية والتي هي ليست بالضرورة الحدود الاقليمية للكيانات السياسية المسماة اليوم دولاً، بل هي مناطق اقتصادية تتخطى الحدود الوطنية وتتجاهلها كنتيجة لتخطي الحدود السيادية.

 يضاف إلى العامل الاقتصادي عامل القوميات غير المندمجة. ففي أوروبا على سبيل المثال، تساهم الخطوات التوحيدية الأوروبية في إضعاف الدول القومية التي تتشكل منها أوروبا. كل هذا يساهم في تأجيج المطالبات بالحكم الذاتي والنزاعات المناطقية. ولا تتخذ هذه النزاعات دائما الطابع العنيف إذ يمكن تقسيمها إلى "نزاعات ما قبل قومية" وهي قديمة ومرتبطة بعدم اكتمال القوميات الأوروبية وإلى "نزاعات ما بعد قومية" التي تستشرف اكتمال أوروبا. فالهويات المناطقية من "باداني" إلى بلاد "الباسك" مروراً باسكتلندا، تستبق في الغالب تطور اللامركزية والمناطقية وصولا إلى طرح المسألة القومية من خلال تعبيرات الانفصال والتجزئة.

كما يدفع صعود أوروبا المترافق مع الخطاب الساحر، إلى  الإعتقاد أنه سيتم تشكيل حركة تضامنية جديدة قادرة على استبدال النزعة القومية المعتبرة بالية. لكن دينامية التوسيع هذه، المرتكزة على منطق مالي محض، لا يمكن إلا أن يؤدي إلى القضاء على أشكال التضامن نفسها.

فلنتوقف مثلاً عند مؤشر واحد من مؤشرات التضامن الأوروبي الحالي، وهو قيمة الضرائب التي يعاد توزيعها. في المعدل تمتص المالية العامة في أي من الدول الأوروبية نصف الناتج المحلي الإجمالي بينما لا تمثل موازنة المفوضية الأوروبية سوى 1،4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي. ومع ذلك فإن صعود هذه البنية الفوقية الأوروبية "الصغيرة" يؤدي إلى تراجع "عمالقة" الدول القومية. ففي أوروبا الموحدة، ما الذي سيدفع المواطن "الكاتالوني" لدعم المواطن "الأندلسي" بينما "الكاتالوني" نفسه هو أفقر من جاره ومنافسه في مقاطعة لانغدوك _ روسيون الفرنسية المدعوم مالياً من باريس... هكذا يساهم قيام مناطق أوروبية في إعادة النظر وتهديد آليات التضامن الداخلية في الدول. ويساهم تجدد الهويات المناطقية أو فبركتها بسبب الضعف الحالي للفكرة القومية، في نمو أنواع جديدة من النزاعات يتغذى بعضها من بعض لتشكل الأتون نفسه.

النزاعات ما قبل القومية تأتي في مناطق شهدت ممانعة تاريخية عن الارتباط بالحيز الوطني، من مثل كورسيكا وإيرلندا الشمالية او اسكتلندا. فهي مناطق قد تكون غنية أو فقيرة على السواء ولكنها رفضت إغراق هوياتها الخاصة في البؤرة الوطنية. أما النزاعات ما بعد القومية فهي ميزة المناطق الغنية إجمالا والتي تساهم بنسبة عالية في الموازنات الوطنية والتي ترغب، استنادا إلى هوية مناطقية غير ذات قاعدة قوية، في قطع العلاقة مع الوطن أو إضعافها من أجل التحرر من "عبء" التضامن الذي تمثله هذه العلاقة: "الفلامنك"، "بادانيا"، بلاد "الباسك"، "كاتالونيا"، "سلوفينيا"، وربما غدا مقاطعة "السافوا" في فرنسا... لكن النزاع هنا لا يعني تلقائيا الحرب الاهلية أو الانفصال. إنها في الغالب رغبة في إضعاف التضامن المناطقي من خلال تنظيم فيديرالي (بلجيكا) أو من خلال نسبة عالية من المناطقية (إيطاليا، اسبانيا) خاصة في المجال الضرائبي.

 على الأرجح ستتميز السنوات المقبلة بتصاعد الأنانية المناطقية التي ستكون، في البلدان التي تحوي مناطق فقيرة، من فعل المناطق الغنية التي تواجه تحدياً ثلاثي الأبعاد:

  1. أن تتمكن من منافسة مناطق أجنبية أوروبية مجاورة أكثر غنى منها تساندها حكوماتها ولا تتوقع منها أي تضامن.
  2.   أن تكون قاطرة النمو في دولها وأن تؤمن التلاقي بين الاقتصادات الأوروبية.
  3. التحويلات المالية الكبيرة لصالح المناطق الأكثر فقراً في بلدانها والتي تتحول شيئاً فشيئاً إلى عبىء إضافي خاصة وقت الأزمات الكبرى. ويجدر التساؤل ما إذا كان هذا الوضع سيتحول إلى سبب بنيوي في تجزئة الحيز الأوروبي الذي لا (ولن) يتمتع بمزايا وفضائل التضامن التي تنعم بها الدولة القومية، بل سيحرر بالتالي نزعات الانطواء الذاتي في عدد المناطق.

هكذا سيبدأ بالتكاثر داخل البلدان الغنية كما أوروبا نوع من التجمعات القبلية الاقتصادية العالمية: اسكتلنديون، كاتالونيّون، باسكيون، لومبارديون، الونيون، الزاسيون، بافاريّون، كوبيكيون، كاليفورنيون وغيرهم من سكان المدن والمناطق الاقتصادية الغنية الذين بدأت تتعالى أصواتهم بعد الأزمة المالية العالمية مطالبين بمزيد من الإستقلالية في إدارة شؤون مناطقهم لكي يتمكنوا من ادخالها مباشرة في الاقتصاد العالمي.(وقد جاءت الاستفتاءات في كل من اسكتلندا وكاتالونيا عام 2014 لتؤكد ما ذكرته عام 2009).

 في داخل أوروبا، ومع اشتداد المنافسات والأزمات الاقتصادية، وبداية ظهور قصور في أداء بعض الدول الأقل تطوراً، بدأ دور الكيانات- المدن، مثل ليون، ميلانو، شتوتغارت وبرشلونة بالتعاظم، ونجح بعضها في الخروج من مظلة دولها بفضل معاهدات التعاون الثنائية. أنتوراب وروتردام سيصبحان معاً إحدى أهم المراكز الاقتصادية المستقلة والأكثر ديناميكية في القارة الأوروبية. ليياج، ماسترخت وآخن أعادت إحياء مجتمعاتها القديمة مشكلَّة مثلثاً من الازدهار الاقتصادي يتجاوز الحدود الهولندية والبلجيكية والالمانية، المدن النورديكية أعادت إحياء روابطها مع مدن البلطيق، وهكذا.

 

بيروت في 18/11/2014

                                                 د.عماد حمدان

                                                                        مدير مكتب بي أي استراتيجيا في بيروت