معاً ، نحو الامتياز
  • English
  • العربية

كيف يؤثر انخفاض اسعار النفط على الاقتصاد اللبناني؟

                                     بقلم الدكتور عماد حمدان- مدير مكتب بيروت بي اي استراتيجيا

 رأيان متعارضان سجلا بين الخبراء الاقتصاديين في لبنان حول تأثير انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد اللبناني.
  • الرأي الاول يؤكد وجود مفاعيل سلبية لهذا الانخفاض على الاقتصاد اللبناني نظراً لتداعياته على تحويلات المغتربين العاملين في بلاد الخليج النفطية التي  تضع موازناتها على أساس أسعار النفط. (عام 2012 وصلت الى 6,92 مليار دولار وعام 2013 وصلت الى 7,67 مليار دولار، و7,55 مليار عام 2014). أهمية هذه المبالغ أنها مثّلت نحو 16% من الناتج المحلي في هذه السنوات، وهي توازي 35% من متوسط واردات السنوات الثلاث المذكورة، فضلاً عن كونها أهمّ مصدر للعملة الأجنبية التي يحتاجها لبنان لتمويل الواردات ولتغطية حاجات الأسر ولتقليص عجز ميزان المدفوعات. علماً أن بعض التقديرات لتحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج تفيد بان ما يحول من الدول العربية النفطية لا يتجاوز الـ 60 % من مجمل تحويلات اللبنانيين في الخارج.
  •  الرأي الثاني يؤكد استفادة لبنان من الانخفاض في أسعار النفط حيث انخفضت قيمة المستوردات النفطية  1.1 مليار دولار عام 2014 وستنخفض ملياري دولار في العام 2015.  كما أن انخفاض أسعار النفط سينعكس إيجاباً على عجز ميزان المدفوعات الذي يمثّل صافي الأموال الذي تدفق من لبنان وإليه سواء كان استثمارات أو تحويلات أو ناجماً عن حركة التجارة مع الخارج وسيؤدي الى تخفيض كلفة الإنتاج ما قد يساعد على تخفيض الاسعار ويدعم القدرات التنافسية للصادرات اللبنانية. وبالاجمال  ييساهم هذا الانخفاض فيما لو استمر سنوات طويلة في زيادة الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 10 الى 15 %.
إن أصحاب هذا الرأي يشككون في التأثير السلبي لانخفاض أسعار النفط على تحويلات المغتربين في الدول النفطية لأن هذه الدول برأيهم لن توقف مشاريعها فجأة، وهي لن تقع في ضائقة مالية لأن لديها احتياطات هائلة تساعدها في تخطي صعوبات تمتدّ على سنة أو سنتين، «فإذا لم يستمرّ هذا التراجع في الأسعار لفترة طويلة تصل إلى خمس سنوات لن تكون هناك تداعيات سلبية على تحويلات المغتربين حسب أصحاب هذا الرأي».
من جهتنا في بي أي استراتيجيا، نعتقد بأن المنطلقات التي اعتمد عليها كلا الطرفان غير دقيقة. فلكي نقوِّم الربح والخسارة للانخفاض في أسعار النفط يجب أن نحدد طبيعة هذا الانخفاض وديمومته. فلكي تكون انعكاساته ايجابية على الاقتصاد اللبناني، يجب أن يكون هذا الانخفاض طبيعياً أي نتيجة للعرض والطلب على هذه المادة ومن ثم أن يكون مستداماً بمعنى أن يكون متناغماً مع التكلفة الحقيقية للمنتج النفطي. وإلا سيكون كارثياً على الاقتصاد اللبناني لانه في حال كان هذا الانخفاض مفتعلاً ، وغير متناسب مع تكلفة انتاجه ونقله، فسيعادود الارتفاع بفترة قصيرة وبنمط سريع. وعليه فمجمل اسعار المنتجات، والاستهلاكية على وجه الخصوص، والتي لم تنخفض لاكثر من 15 % مع الانخفاض الكبير بسعر المشتقات النفطية التي انخفضت لاكثر من 50 %، ستعاود الارتفاع بنسبة تفوق الـ 30 % (على اسعارها الحالية)عندما تعاود المشتقات النفطية ارتفاعها بنسبة 50%. وهذا ما لن يتحمله المواطنون ولن يتحمله الاقتصاد الكلي.
هذا هو السيناريو الذي نتوقعه بعد فترة قد تصل الى سنة كحد أقصى وذلك لأسباب عديدة من أهمها:
  • أن مكوّنات سعر النفط الاساسية هي: الانتاج، النقل، هامش الربح، تكلفة الاستثمار في تكنولوجيا الاستكشاف والتنقيب والاسستخراج. وهذه التكلفة أصبحت مرتفعة جداً بعد تجاوز الذرة النفطية للنفط التقليدي بسنوات. وأصبحت الشركات العالمية تستثمر المليارات في الحقول البحرية الغميقة وفي حقول سيبيريا وفي النفط الرملي والصخري وغيره. وبما أن للشركات المنتجة حصة في سعر البرميل المنتج قد تصل في بعض الابار الى 50%، فلا بد من أن تؤخذ كلفة الاستثمار في العلوم النفطية في الاعتبار عند تحديد السعر الحقيقي لبرميل النفط. وعند اتخاذ تدابير معينة تفرض على الاسواق خفض السعر، فان الشركات العالمية المنتجة قادرة على تحمل هذا الانخفاض لفترة زمنية ولا تستطيع قبول استمرارها طويلاً. وبما أن بعض الشركات التي استثمرت في سيبريا وفي نيجيريا وفي كندا والولايات المتحدة في تطوير علوم الاستكشاف والانتاج والتخزين، تملك حصصاً كبيرة في أهم الابار التي يخرج منها النفط حالياً حول العالم، فانها لن تسكت طويلاً على الحيف اللاحق بها جراء الانخفاض غير الطبيعي في اسعار النفط.
  • حتى الدول التي تقود سياسة خفض الاسعار اليوم هي ترمي الى عدد من الاهداف من أهمها توجيه رسالة قوية للشركات التي تستثمر في النفط الصخري في الولايات المتحدة لوقف عمليات الاستثمار في هذا النوع من الحقول المكلفة وغير البيئية. كما توجه هذه الدول رسائل سياسية الى روسيا وايران تحديداً، ليس بهدف قلب الطاولة كما حدث عام 1987، بل للضغط من أجل التوصل الى حلول اقليمية مقبولة من الجميع. لأن سياسة السعودية التي تقود هذه العملية ليست سياسة صدامية او هجومية بل دفاعية عن مصالحها. ولهذا تنتظر السعودية من روسيا وايران تحديداً مواقف اقليمية متعاونة وهذا ما تحاول فنزويللا المتضرر الاكبر، التوسط من أجله.
إذاً إن انخفاض سعر النفط هو انخفاض متعمد ومؤقت، وعلى هذا الاساس لن يكون مفيداً للاقتصاد اللبناني على المدى المتوسط لأنه سيعادو الارتفاع حكماً في فترة لن تطول للاسباب التي ذكرناها سابقاً.