معاً ، نحو الامتياز
  • English
  • العربية

هل سينجح رياض سلامة في اجراء تعديلات بنيوية في الاقتصاد اللبناني عام 2015؟

بقلم ا الدكتور عماد حمدان- مدير مكتب بي اي استراتيجيا في بيروت


طالعتنا معظم الصحف اللبنانية خلال اليومين الماضيين بدراسات وتحليلات حول الوضع الاقتصادي في لبنان. منهم من أكد أن الإقتصاد اللبناني قد ثبت عام 2014 موقعه على المؤشرات التي إنتهى إليها خلال الفصل الرابع من العام 2014، وهي مؤشرات جاءت بمعظمها سلبية لاسيما عند مقارنتها بالأعوام 2008 و2009 و 2010، حتى أن مؤشرات الـ2014 برأي البعض، لم تكن بمستوى مؤشرات السنوات الثلاث الماضية 2011-2013.


إلا أن عدداً من المحللين الاقتصاديين كان واضحاً حين أكدوا أن الاقتصاد الحقيقي في لبنان قائم على السياحة والتجارة والعقار، وتنافسوا على قراءة المؤشرات الخاصة بكل قطاع. برأيهم تراجعت مؤشرات هذه القطاعات  بنسب كبيرة وذلك بتأثير مباشر من الأزمة السياسية والأمنية التي عرفها لبنان على الصعيد المحلي، وكذلك نتيجة إستمرار تلقي لبنان لنتائج وتداعيات الحرب الدائرة في محيطه، ولاسيما ملف النازحين الذي أفرزته الحرب الدائرة في سوريا.


خلص الجميع إلى أنه ونتيجة الأوضاع التي سبق ذكرها، تراجع النمو الإقتصادي اللبناني بشكل ملحوظ فتوقف عند الـ1% مقارنة بـ8 و9% في أعوام 2008 و 2009 و 2010، وهذا مؤشر سلبي سيكون له تداعيات مالية وإقتصادية سلبية ومؤثرة في العام 2015 إذا لم يحصل تغيير جذري في الوضعين السياسي والأمني.


يُستنتج من ما سبق، أن جميع المحللين يقصدون بالمؤشرات الاقتصادية نسب النمو السنوية لكل قطاع ومن ثم يستخلصون معدل النمو العام. وهنا نحن أمام معضلات كثيرة من شأن تجاوزها التوصل الى استنتاجات اقتصادية خاطئة.



  1. أولا"، أن التشويه الذي يطال التعريف بالاقتصاد الحقيقي يقصد منه التغاضي عن الفشل اللبناني في اقامة اقتصاد حقيقي منتج يعوض الخلل في القاعدة الانتاجية للمجتمع اللبناني. فالسياحة والتجارة والعقار هم من النشاطات الاقتصادية المهمة في الاقتصاد اللبناني، ولكنها لم تعوض يوماً القطاعات الفعلية التي تساهم بانتاجها ببناء الاقتصاد الفعلي المتوازن.

  2. إن الازمة السورية ساهمت في تعزيز نمو القطاعات غير الانتاجية كالتجارة والعقار، نتيجة زيادة اعداد المستهلكين في هذه القطاعات وساعدت أيضاً في تطوير القطاع الزراعي. فالانتاج الزراعي السوري توقف عن المزاحمة، والطلب الاستهلاكي الداخلي تضاعف مرات عدة، وتوفر اليد العاملة الزراعية السورية الرخيصة والماهرة قد ساهم في انتشار المشاريع الزراعية في كل المناطق اللبنانية تقريباً. كما لا ننسى ان حجم التدفقات المالية تضاعفت هي ايضاً من مسارب تقليدية كالمغتربين اللبنانيين، وجديدة كالمغتربين السوريين الى ذويهم، واموال رجال الاعمال السوريين التي انتقلت الى المصارف اللبنانية، والاهم المساعدات المخصصة للاجئين السوريين التي تجاوزت في السنوات الثلاث الماضية الثلاث مليارات دولار. وهذا بالظبط ساهم في تحقيق نسبة نمو تجاوزت الـ 7 % لقطاع المصارف الذي استفاد أيضاً من الوسائل التي ابتكرها، للالتفاف على تعاميم مصرف لبنان، من حيث اعادة تدويره لجزء من الاحتياط الالزامي في ما بات يعرف بارتكابات المصارف مع القروض التي يدعمها مصرف لبنان.

  3. لقد أثبتت معظم الدراسات أن لبنان لم يستطع خلال السنوات الخمس الماضية من اعادة بناء اقتصاد حقيقي منتج على الرغم من تدخلات مصرف لبنان وتعاميمه وعلى الرغم من آلاف القروض المدعومة التي خصصت حصراً لقطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، حيث استطاعت المصارف الالتفاف على المعايير التي وضعها مصرف لبنان واستطاعت الاستفادة من دعم مصرف لبنان للقروض المدعومة في مشاريع ارتبط معظمها بمصالح زبائنها الاقوياء وليس بالمستهدفين الحقيقيين الذين اراد مصرف لبنان مساعدتهم لاقامة المشاريع في القطاعات المذكورة.

إن هذا الواقع غير الصحي ناتج عن الفراغ في ابتكار سياسات اقتصادية جديدة منذ سنوات طويلة حيث ما زال رجال السياسة والاقتصاد في لبنان، جاهلين بالتطور الحاصل في النظام الاقتصادي العالمي. فالنمو لم يعد يحتسب بهذه الطريقة أبداً، والمؤشرات الكلاسيكية التي اعتاد الخبراء على مراجعة ارقامها سنوياً لم تعد تصلح.. إن أفضل طريقة لمعرفة إذا كان بلد ما يظهر أعراض عدم القدرة الحقيقية على النمو الفعلي، لا تحصل عبر مراقبة الفورات الموقتة لنمو الناتج المحلي الاجمالي، ولا عبر قدرته على استخدام ما توّفر له من أساليب تكنولوجية سرعان ما تصبح عديمة الفائدة، بل عبر التأكد من أن ابحاثه العلمية والتكنولوجية هي في تطور مستمر. وكذلك يجب النظر في قدراته الفعلية المستدامة على تحديث صادراته وعن تصاعد المداخيل الفردية تبعاً لذلك. لكل هذه الاسباب اقدم حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة على خطوة شجاعة، تاريخية واستثنائية، عندما خصص 400 مليون دولار للتشجيع على اقامة قطاع اقتصادي جديد في لبنان، هو اقتصاد المعرفة. المشكلة الوحيدة التي قد تعوق هذه الخطوة، تتمثل في حصر آليات عملها بالمصارف التي قد تبتدع اساليب، كما فعلت مع القروض المدعومة، وتحرم اللبنانيين من النجاح من اعادة تفعيل دورهم الاقتصادي الاقليمي الريادة، كما يطمح الى ذلك رياض سلامة.